ابن عجيبة
449
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ابن حجر : ولا مانع من أن تتناول الآية كلّ من أتى بحسنة وفرح بها فرح إعجاب ، وأحب أن يحمده الناس ويثنوا عليه بما ليس فيه . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : لا يظن أهل الفرق الذين يسندون الأفعال إلى أنفسهم ، غائبين عن فعل ربهم ، ويحبون أن يحمدهم الناس ويمدحهم بفعل غيرهم ، أنهم فائزون عن عذاب الفرق ، وحجاب العجب ، إذ لا فاعل سوى الحق ، فمن تمام نعمته عليك أن خلق فيك ونسب إليك ، فإن فرح العبد بالطاعة من حيث ظهورها عليه ، وهي عنوان العناية - ورأى نفسه فيها كالآلة ، معزولا عن فعلها ، محمولا بالقدرة الأزلية فيها ، فلا بأس عليه ، ويزيد بذلك تواضعا وشكرا ، وإن فرح بها من حيث صدورها منه ، ويتبجح بها على عباد اللّه ، فهو عين العجب ، وفي الحكم : « لا تفرحك الطاعة من حيث إنها صدرت منك ، وافرح بها من حيث إنها هدية من اللّه عليك ؛ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا » . ثم استدل على قدرته المفهومة من ( القدير ) ، فقال : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 190 ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 190 ) يقول الحق جل جلاله : إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وإظهارهما للعيان ، لدلائل واضحة على وجود الصانع ، وكمال قدرته ، وعلمه ، لذوي العقول الكاملة الصافية ، الخالصة من شوائب الحس والوهم . قال البيضاوي : ولعل الاقتصار على هذه الثلاثة في هذه الآية ؛ لأن مناط الاستدلال هو التغير ، وهذه متعرضة لجملة أنواعه ، فإنه - أي التغير - إما أن يكون في ذات الشيء ، كتغير الليل والنهار ، أو جزئه ، كتغير الناميات بتبدل صورها ، أو لخارج عنها ، كتغير الأفلاك بتبدل أوضاعها ، وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها » . الإشارة : الخلق هو الاختراع والإظهار ، فإظهار هذه التجليات الأربعة يدل على أن الحقّ - تعالى - تجلى لعباده بين الضدين ، بين النور والظلمة ، بين القدرة والحكمة ، بين الحس والمعنى ، وهكذا خلق من كل زوجين اثنين ، ليقع الفرار من اثنينية حسهما إلى فردية معناهما ، ففروا إلى اللّه ، فالسماوات والنهار نورانيان ، والأرض والليل ظلمانيان ، ففي ذلك دلالة على وحدة المعاني ، فلا تقف مع الأواني ، وخض بحر المعاني ، لعلك تراني . وباللّه التوفيق . ثم وصف أولى الألباب الذين يدركون صفاء هذه المعاني ، فقال :